محمد غازي عرابي

736

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وقوله : إِلَّا امْرَأَتَهُ يعني النفس الحيوانية ، صحيح أن هذه النفس خالدة متجددة على مستوى الجمع ، أي كونها صادرة عن النفس الكلية ، ولكنها على مستوى الأجزاء هي فانية ، وهكذا يصبح ظاهر لوط فانيا كتعين جسدي مع الحواس ، بينما باطنه باللّه فيدخل في رحمته ويدخل في الصالحين . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 58 ] وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ( 58 ) [ النمل : 58 ] المطر هنا إشارة إلى الذر المادي ، والعلوم الحديثة توصلت إلى اكتشاف أن كل الظواهر قائمة بالذرات المادية ، ونشاط هذه الذرات هو سبب نشاط العالم الظاهري بما في ذلك الإنسان ، وتفكك هذه الذرات لسبب ما هو تفكك العالم الظاهري وانحلاله بما في ذلك الإنسان . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 59 ] قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( 59 ) [ النمل : 59 ] المصطفون الأعيان الثابتة من الكليات الفاعلات وممثليهم من الأنبياء والأولياء أي التعينات المصطفاة ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( أنا حي في قبري ) ، وقال الجنيد : العارفون لا يموتون بل ينتقلون من دار إلى دار ، فتعين الاسم العليم المستمر سبب خلوده . [ سورة النمل ( 27 ) : آية 60 ] أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) [ النمل : 60 ] قضية الفلسفة الأولى البداية ، ففريق من الفلاسفة أرجعوا الوجود إلى واحد واجب الوجود ، ومن هذا الواحد بدؤوا مسيرتهم الفلسفية وبنوا بنيانهم وهؤلاء هم الفلاسفة المؤمنون ، وفريق لم يقروا وجود هذا الواحد متسائلين من أين جاء هذا الواحد ، ولماذا لا يكون لهذا الواحد واحد قبله ، ولم يجد هؤلاء سوى الطبيعة مبدأ أول فبنوا بنيانهم على أساس الإيمان بالطبيعة خالقا ، والإنسان أمام أمرين ، فإما أن يؤمن وإما أن لا يؤمن ، وإذا لم يؤمن وجد أمامه الطبيعة التي هي مادة ذات قوانين ومظاهر ، أي أن الماديين آمنوا بالمادة مبدأ أول ، ثم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى الاعتراف بأن لهذه المادة نوعا من العقل ، ولهذا تساءل العلامة مصطفى محمود : إذا كان للطبيعة قوانينها فمن الذي وضع هذه القوانين ؟ ولقد سبق أن تحدثنا عن أن الإنسان عقل ، وأن العقل فاعل ، سواء أكان العقل ماديا أو غير مادي ، ومع هذا فنحن مضطرون إلى الاعتراف بأن العقل فاعل وقادر على التحريك ، وهكذا نعود إلى النقطة التي وقف العلماء الماديون إزاءها حائرين ألا وهي كيف يحرك العقل المادة ؟